يظلّ التساؤل قائماً في أذهان كثيرٍ من مصممي الحقائب التدريبية حول الأسباب الكامنة وراء خروج بعض المتدربين من القاعة التدريبية بحالة من الانبهار التام بينما يسيطر الإحباط على البعض الآخر رغم حضورهم لذات الدورة التدريبية.

تكمن الإجابة الحقيقية في أنّ تصميم المحتوى قد خاطب جزءاً واحداً من الدماغ وتجاهل بقية الأجزاء؛ إذ يفرض واقع تعليم الكبار أن يكون التنوع ضرورةً ملحّةً تتجاوز حدود الرفاهية أو الكماليات التدريبية.

وعليه، يُعد فهم نماذج التعلم للكبار مفتاح تحويل نظريات التعلم الجامدة إلى خارطة طريق عملية وواضحة المعالم تهدف إلى تصميم دورات تدريبية قادمة تحقق أقصى درجات التأثير والفاعلية.

نموذج ديفيد "كولب" (Kolb) ودورة التعلم الطبيعية

يعتمد نموذج ديفيد "كولب" على فكرة مركزية مفادها أنّ التعلم عملية مستمرة ناتجة عن تحويل الخبرة إلى معرفة حقيقية، وتتكون هذه الدورة من أربع مراحل متتابعة تبدأ بالمرحلة الأولى وهي "الخبرة الملموسة"؛ إذ ينخرط المتدرب في نشاط عملي أو تجربة حية، تليها المرحلة الثانية "الملاحظة المتأملة" التي تسمح للمشارك بمراجعة ما حدث وفهمه من زوايا متعددة.

تأتي المرحلة الثالثة "الاستنتاج أو المفاهيم المجردة" ليصيغ المتدرب القواعد والنظريات بناءً على تأملاته، وصولاً إلى المرحلة الرابعة "التجريب النشط" التي تتضمن تطبيق تلك الاستنتاجات في مواقف جديدة.

تشير دراسة ديفيد "كولب" (1984) الشهيرة حول "التعلم التجريبي" إلى أنّ الأفراد يمتلكون تفضيلات مختلفة في استيعاب المعلومات ومعالجتها، مما يجعل المرور بكافة مراحل الدورة أمراً حتمياً لضمان شمولية التعلم. ويمكن للمدرب تصميم تمرين فعال يستغرق عشرين دقيقة فقط يمرر من خلاله المتدرب بهذه المراحل، وذلك بالبدء بمشاهدة مقطع فيديو قصير يجسد مشكلة معينة (خبرة)، ثم فتح باب النقاش حول المشاعر والأفكار الناتجة (تأمل)، وبعد ذلك تقديم القاعدة العلمية للحل (استنتاج)، وختاماً بطلب تنفيذ محاكاة سريعة للحل المقترح (تطبيق).

يقع عديدٌ من المدربين في خطأ شائع يتمثل في تكريس جل الوقت للمحاضرة النظرية أو مرحلة الاستنتاج مع إغفال كامل لمرحلتي التجربة والتطبيق، مما يؤدي إلى فجوة معرفية بين النظرية والممارسة الفعلية لدى المتدربين.

التعلم التجريبي

نموذج "هيرمان" (HBDI) وبوصلة التفكير الرباعي

يقدم نموذج "هيرمان"، المعروف بمقياس هيمنة الدماغ، رؤية ثاقبة حول كيفية معالجة الأفراد للمعلومات بناءً على أربعة أنماط تفكير رئيسة؛ إذ يركز النمط (A) على الجوانب التحليلية والمنطقية والأرقام، بينما يهتم النمط (B) بالتنظيم والتخطيط والتنفيذ الدقيق والجداول الزمنية. وفي المقابل، يميل النمط (C) نحو الجوانب العاطفية والروحية والقصص الإنسانية والتواصل مع الآخرين، في حين يندفع النمط (D) نحو الإبداع والاستراتيجيات الكلية والتصورات المستقبلية والصور المرئية.

وعند تصميم الحقائب التدريبية الاحترافية، يتوجب على المصمم مراجعة المحتوى لضمان وجود توازن دقيق يلبي احتياجات هذه الأنماط الأربعة، كما يمكن استخدام الجدول التالي كدليل عملي لتصميم الأنشطة:

النمط

نوع النشاط المقترح

الهدف من النشاط

التحليلي (A)

عرض إحصاءات ودراسات حالة مالية.

إقناع المتدرب بالحقائق والمنطق.

التنفيذي (B)

تمرين ترتيب خطوات أو إعداد خطة عمل.

تعزيز مهارة التنظيم والانضباط.

المشاعري (C)

تأدية أدوار أو سرد قصص نجاح إنسانية.

بناء الرابط العاطفي والاجتماعي.

الإبداعي (D)

عصف ذهني لرؤية مستقبلية أو رسم خرائط ذهنية.

تحفيز الابتكار والنظرة الشمولية.

وعليه، يضمن دمج هذه الأنشطة ضمن نماذج التعلم للكبار بقاء المشاركين جميعهم في حالة تركيز عالية؛ إذ يجد كل فرد ما يشبع فضوله الذهني ويرضي نمط تفكيره الخاص.

نظام (4MAT) للتسلسل السحري للإقناع

طورت بيرنيس مكارثي نظام (4MAT) بناءً على أبحاث مكثفة حول كيفية معالجة الدماغ للمعلومات؛ إذ يقسم هذا النظام عملية التعلم إلى أربعة أسئلة جوهرية يجب الإجابة عليها بالتسلسل لضمان الإقناع الكامل. ويبدأ التعلم بسؤال "لماذا؟" (Why) لإثارة الدافعية وربط الموضوع بحياة المتدرب، ثم ينتقل إلى سؤال "ماذا؟" (What) لتقديم الحقائق والمعلومات النظرية، تتبعه مرحلة "كيف؟" (How) التي تركز على الممارسة العملية، وينتهي بسؤال "ماذا لو؟" (If) الذي يفتح آفاق التطبيق في سياقات مختلفة ومبتكرة.

أظهرت عدة دراسات تجريبية على نموذج (4MAT) أنّ تطبيقه يؤدي إلى تحسين التحصيل الدراسي وتعزيز الاحتفاظ بالمعلومات، إضافةً إلى دعم نقل أثر التعلم، من خلال دمج الأنماط المختلفة لمعالجة المعلومات ضمن دورة تعلم متكاملة. ويعد هذا النموذج الأداة الأفضل لهيكلة الدورة التدريبية بالكامل، فالبدء بفقرة "لماذا" يضمن جذب الانتباه من اللحظة الأولى، والختام بفقرة "ماذا لو" يضمن استمرارية التعلم وتطوير المهارات المكتسبة بما يتجاوز حدود القاعة التدريبية، مما يجعل عملية تصميم الحقائب التدريبية الاحترافية عملية هندسية دقيقة تهدف إلى تحقيق نتائج ملموسة.

الدمج الاستراتيجي وسيمفونية التدريب

تتجلى الاحترافية الحقيقية في القدرة على إحداث تكامل عميق بين هذه النماذج الثلاثة؛ إذ يعمل نموذج "كولب" كإطار للعملية التعليمية، بينما يوفر نموذج "هيرمان" التنوع اللازم في المحتوى والأنشطة، ويضبط نظام (4MAT) التسلسل المنطقي للجلسة. وعند دمج هذه العناصر، تظهر "سيمفونية التدريب" التي تضمن انخراط كافة الحواس والأنماط الذهنية في آن واحد.

ويمكن تصور "مخطط" (Blueprint) لجلسة تدريبية مدتها ساعة واحدة تدمج النماذج الثلاثة على النحو التالي:

  • أول 10 دقائق (لماذا + النمط C): عرض قصة مؤثرة تبرز المشكلة وتحفز المشاعر.
  • 20 دقيقةً تاليةً (ماذا + النمط A): تقديم الحقائق والبيانات العلمية والنظريات التي تفسر الظاهرة.
  • 20 دقيقةً تطبيقيةً (كيف + النمط B): تمرين عملي منظم بخطوات واضحة لتطبيق ما تم تعلمه.
  • آخر 10 دقائق (ماذا لو + النمط D): عصف ذهني لاستكشاف تطبيقات جديدة وحلول إبداعية للمستقبل.

ويحوّل هذا التناغم بين نماذج التعلم للكبار المادة العلمية من مجرد معلومات جامدة إلى تجربة تعلّم حيّة تتّسم بالمرونة والعمق، وتلبّي احتياجات الفروق الفردية بين المتدربين بكفاءة عالية.

نماذج التعلم للكبار

(ITOT): مدرسة التصميم المنهجي والتحول الاحترافي

تتبنى مدرسة (ITOT) منهجية صارمة في تدريب المدربين على استخدام هذه النماذج العالمية كأنّها فلاتر جودة أساسية قبل اعتماد أية حقيبة تدريبية؛ إذ يُركَّز على تحويل المعرفة النظرية إلى مهارة تطبيقية تمكن المدرب من فحص محتواه والتأكد من ملاءمته لكافة التفضيلات الدماغية. وتضمن البرامج المعتمدة دولياً في (ITOT) أنّ الخريجين يمتلكون القدرة على تصميم خبرات تعلم تحترم عقلية الكبير وتحقق الأثر المستدام، بدلاً من الاكتفاء بتقديم عرض تقديمي تقليدي.

ويعتمد الانتقال من مرحلة "المدرب بالفطرة" الذي على الكاريزما الشخصية فقط إلى مرحلة "مهندس التعلم المحترف" الذي يبني قراراته التدريبية على أسس علمية هو الهدف الأسمى لبرامجنا؛ إذ يتم تدريب المشاركين على استخدام دورة التعلم ل"كولب" (Kolb's Cycle) ونموذج "هيرمان" (HBDI) في التدريب لتطوير أنشطة تفاعلية تضمن أعلى مستويات الالتزام من قبل المشاركين.

في الختام

يُعد إدراك حقيقة أنّ المتدربين يمتلكون بصمات ذهنية مختلفة تماماً عن بعضهم البعض هو الخطوة الأولى نحو الاحتراف، فاحترام هذا التنوع الذهني وتوظيفه لصالح العملية التعليمية يمثل الدليل القاطع على كفاءة المدرب. وباستخدام نماذج التعلم للكبار كأدوات أساسية في الحقيبة التدريبية، يضمن المصمم وصول رسالته إلى الجميع بلا استثناء، محققاً بذلك توازناً مثالياً بين المنطق والعاطفة، وبين النظرية والتطبيق.

هل أنت مستعد لتصميم دورات تخاطب كل العقول وتلمس كل القلوب؟

تعلّم هندسة التدريب من أسيادها، واحجز مقعدك في دورة تدريبية من (ITOT)، واكتسب المهارات التي تمكنك من تطبيق نماذج التعلم العالمية باحترافية، لتصبح المدرب الذي يُحدث التغيير الحقيقي ويترك بصمة لا تُمحى في عقول وقلوب المتدربين.

الأسئلة الشائعة

1. هل يجب أن أستخدم كل النماذج في كل دورة تدريبية؟

ليس بالضرورة، لكن الدمج يضمن شمولية أكبر. ويمكنك استخدام (4MAT) للهيكل العام، و"هيرمان" لتنويع الأنشطة الصغيرة.

2. كيف أعرف نمط التعلم الغالب على جمهوري إذا لم أكن أعرفهم مسبقاً؟

افترض دائماً أنّ الجمهور متنوع. وصمم دورتك لتغطي الأنماط الأربعة، وبهذا تضمن إصابة الهدف مع الجميع.

3. هل هذه النماذج تناسب التدريب الإلكتروني (الأونلاين)؟

نعم، وبقوة. فالتنوع في الأونلاين أهم لمنع الملل. واستخدم استطلاعات الرأي (تحليلي)، وغرف النقاش (مشاعري)، والفيديوهات (إبداعي).

4. ما الفرق بين أنماط التعلم وأنماط الشخصية؟

أنماط التعلم تتعلق بكيف نستقبل ونعالج المعلومات، بينما الشخصية تتعلق بالسلوك والدوافع. وكلاهما هامّ للمدرب.

هذا المقال من إعداد المدرب مازن الدردار، كوتش معتمد من ITOT.