هل تشعر أنَّ مهاراتك البشرية الفذة، مثل الإبداع والتفكير النقدي، تتضاءل قيمتها في ظل توسع هيمنة الذكاء الاصطناعي؟ قد تكون مدركاً تماماً لأهمية المهارات الناعمة، وتقضي ساعات في محاولة تحسينها، لكن المشهد المألوف هو أنَّ هذه الجهود غالباً ما تفتقر إلى إطار عمل دقيق يمكنه تحويل التقدم المعرفي إلى تأثير مهني ملموس وقابل للقياس. وقد بات هذا التحدي أكثر إلحاحاً؛ إذ تشير تقارير "لينكد إن" (LinkedIn) إلى أنَّ 89% من مسؤولي التوظيف يعزون فشلهم في التوظيف الجيد إلى نقص المزيج المطلوب من المهارات التقنية والناعمة، وهي ما يسمى فجوة المهارات الناعمة.
لا تكمن في المشكلة أهمية هذه المهارات، بل في غياب "بوصلة" فعالة لتطوير وقياس المهارات الناعمة بفعالية ودقة في هذا العصر الرقمي. لنتابع معاً لنكتشف كيف يمكننا بناء هذه البوصلة.
تحديد الفجوة بين الطلب على المهارات وفشل الأساليب الحالية
قد تشعر أحياناً بأنك تعيش في حلقة مفرغة من الجمود المنهجي، فبعد كل دورة تدريبية مكثفة، وكل مقال قرأته عن أهمية المهارات الناعمة، تجد نفسك أمام السؤال الصارخ: كيف أثبت هذه القيمة الجديدة التي اكتسبتها؟ أنت تدرك بعمق أنَّ مهاراتك البشرية هي حصنك الأخير ضد سطوة الذكاء الاصطناعي، لكنك لا تملك "عملة" حقيقية لتقييمها في سوق العمل الرقمي.
ولأنَّ التغلب على الجمود يبدأ بالتشخيص، سوف نستعرض في هذا القسم الأبعاد الحقيقية لهذه الفجوة، وكيف أنَّ الأساليب التقليدية أصبحت عاجزةً عن سدها، وما هي التكلفة الباهظة التي ندفعها نتيجة هذا العجز المنهجي.
ما هي المهارات الناعمة الأكثر طلباً في عصر الذكاء الاصطناعي؟
لم تعد أهمية المهارات الناعمة مجرد "زينة" في السيرة الذاتية، بل أصبحت هي الفرق الجوهري بين الموظف القابل للاستبدال ومن يصنع القيمة الفريدة؛ فالأمر هنا لا يتعلق بالمعرفة، بل بالقدرة على إطلاق العنان لتلك المهارات في سيناريوهات معقدة. فبينما تتولى الآلة المهام الروتينية، يرتفع الطلب على ما لا يمكن أتمتته.
ووفقاً لتقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) لعام 2023، فإنَّ الشركات لا تبحث عن موظفين يمتلكون هذه المهارات، بل عن موظفين يستطيعون تطبيقها وإثباتها بوضوح.
ومن أمثلة أكثر المهارات الناعمة طلباً التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي محاكاتها بصورة كاملة، نذكر التالي:
- التفكير التحليلي والإبداعي.
- المرونة وخفة الحركة (Agility).
- القيادة والتأثير الاجتماعي.
- الذكاء العاطفي والتنظيم الذاتي.
لماذا تفشل أساليب "التلقين" التقليدية في تنمية المهارات الناعمة؟
يكمن الجمود الذي نشعر به في مكان واحد: أننا نحاول بناء "كائن بشري مرن ومبدع" بأدوات صُنعت لتدريب "روبوت طائع".
تفشل أساليبنا التقليدية، مثل برامج تدريب المهارات الناعمة المعتمدة على الحفظ والكتيبات لعدة أسباب، من أبرزها:
- التحول المعرفي لا السلوكي: التدريب يمنح شهادة، لا سلوكاً قابلاً للتطبيق في تنمية المهارات الناعمة.
- غياب السياق الحقيقي: ممارسة المهارة في بيئة معزولة يسهل تبخرها عند العودة للعمل.
- فقدان التغذية الراجعة الموضوعية: الاعتماد على الحدس لتقييم التقدم بدلاً من قياس دقيق لقياس المهارات الناعمة.
تكلفة فجوة المهارات الناعمة على فرق العمل الرقمية
لا يُعد هذا التعطيل في القياس مشكلةً فردية، بل هو "نازف" جماعي يستنزف الشركات التي تعتمد على فرق العمل الرقمية. عندما تفتقر الفرق إلى القدرة على تطوير المهارات الناعمة، يتحول التعاون عن بُعد إلى عبء ثقيل، وتصبح القرارات عشوائيةً.
تشمل الآثار المباشرة وغير المباشرة تكلفة تتجاوز فواتير الرواتب لتشمل:
- ضعف التعاون عن بُعد: ارتفاع سوء الفهم والتوتر بسبب غياب التواصل الفعال.
- ارتفاع معدل دوران الموظفين: إحباطهم بسبب بيئات عمل غير واضحة في تقدير تنمية المهارات الناعمة لديهم.
- تضييق الأفق الابتكاري: عدم قدرة الفرق على ممارسة التفكير النقدي، مما يجعلها مقيدة بالحلول القديمة.
"ما هي مشكلة المهارات الناعمة؟ المشكلة هي "فجوة المهارات الناعمة". الطلب على مهارات مثل التفكير النقدي والذكاء العاطفي يتزايد، بينما تفشل أساليب التدريب التقليدية (التلقين) في بنائها، مما يخلق فرق عمل غير قادرة على الابتكار والتعاون بفعالية."

الانتقال من "التدريب النظري" إلى "التطوير العملي
إذا كانت المشكلة تكمن في فجوة المهارات الناعمة التي تنتج عن التركيز على المعرفة دون السلوك، فإنَّ الحل لا يمكن أن يكون مجرد برامج تدريب المهارات الناعمة تقليدية أخرى؛ إذ نحتاج إلى تغيير في "شيفرة التشغيل" الخاصة بنا، وتحويل مسارنا بالكامل من تلقين المفاهيم إلى غرس السلوكات القابلة للتطبيق وقياس المهارات الناعمة.
سوف نوضح الآن المنهجيات المجربة والعملية التي يعتمدها خبراء تطوير الموهوبين لتحقيق هذا التحول، بدءاً من إعادة تصميم الورش وصولاً إلى خلق ثقافة التعلم المستمر.
1. تصميم ورش عمل تفاعلية تركز على "التطبيق"
يكمن مفتاح تطوير المهارات الناعمة في إجبار الدماغ على استخدام هذه المهارات في بيئة تشبه الواقع، لكنها آمنة لارتكاب الأخطاء؛ إذ لا يمكن تنمية المهارات الناعمة بالاستماع، بل بالتمارين التي تحاكي ضغط العمل الفعلي.
بالإضافة، هذا المنهج، الذي أثبت فعاليته ضمن استراتيجيات تطوير القادة، يركز على إزالة حاجز "الخوف من التطبيق" عن طريق:
- سيناريوهات واقعية: استخدام تحديات فعلية من بيئة العمل.
- تأدية الأدوار والمحاكاة: تطبيق أمثلة على المهارات الناعمة تحت ضغط زمني.
- التسجيل والتحليل: مراجعة الأداء لتقديم نقد بناء ومحدد.
2. دور المدرب كـ "مرشد" (Coach) وليس "مُلقّن"
في هذا النهج الجديد، يتحول دور المدرب من كونه مصدراً للمعلومة إلى كونه مرشداً للسلوك. بالإضافة، فإنَّ هذه الاستراتيجية التي يركز عليها خبراء تنمية المهارات الناعمة عالمياً، تهدف إلى إضفاء الطابع الشخصي على التدريب، مع التركيز على التغذية الراجعة المستمرة والدقيقة، وهي أساس قياس المهارات الناعمة.
يتطلب نجاح المدرب في هذا الدور أن يتبنى آليات عمل جديدة ومحددة تضمن التحول من التلقين إلى الإرشاد وتجذير السلوك، ومن أبرز هذه الآليات ما يأتي:
- التغذية الراجعة الفردية والمستمرة: تقييمات يومية أو أسبوعية تركز على نقاط قوة وضعف محددة.
- بناء خطط عمل شخصية: ربط المهارة بأهداف المشارك المهنية المباشرة لضمان الاستمرارية.
- المتابعة بعد البرنامج: جلسات إرشاد قصيرة بعد انتهاء برامج تدريب المهارات الناعمة لتجذير السلوك.
3. بناء ثقافة "التعلم المستمر" وليس "فعالية تدريبية" واحدة
لا يُعد تطوير المهارات الناعمة مشروعاً ينتهي في يومين، بل هو رحلة مستمرة؛ إذ تؤكد الدراسات أنَّ الفعالية التدريبية الواحدة لا ترفع مستوى الكفاءة على الأمد الطويل. بالإضافة، يجب أن تتحول بيئة العمل إلى مختبر للتدريب، مما يجعل قياس المهارات الناعمة جزءاً يومياً من العمل.
لضمان بناء هذه الثقافة المستمرة وتحويل بيئة العمل إلى مختبر للتدريب، يمكن تطبيق الخطوات الآتية:
- التعلم المصغّر (Micro-learning): إرسال تحديات قصيرة (لا تتجاوز 5 دقائق) لتعزيز السلوكات.
- المشاريع التطبيقية المدمجة: ربط تنمية المهارات الناعمة بالمشاريع الجارية في الشركة.
- التشجيع على النقد الذاتي والمتبادل: خلق بيئة تشجع الفرق على منح تغذية راجعة صادقة وموضوعية لتعميق أهمية المهارات الناعمة.
"ما هو الحل لتطوير المهارات الناعمة؟ الحل هو التحول من "التدريب" (نقل المعرفة) إلى "التطوير" (بناء السلوك). ويتم ذلك من خلال ورش عمل تطبيقية تستخدم المحاكاة، ويتحول فيها المدرب إلى "مرشد" (Coach) يقدم تغذية راجعة شخصية ومستمرة."

كيف نقيس ما لا يمكن قياسه؟
لقد تجاوزنا مرحلة الإيمان المطلق بأهمية المهارات الناعمة، وانتقلنا إلى مرحلة التطوير العملي لها، لكن يظلّ السؤال الأهم قائماً: كيف نثبت أنَّ هذا التحول في السلوك كان استثماراً ناجحاً؟ يكمن التحدي في إخراج قياس المهارات الناعمة من دائرة الحدس وإدخاله في دائرة البيانات الموثوقة.
سنقدم الآن الأدوات والاستراتيجيات التي يعتمدها الخبراء والتي تمكنك من تتبع أثر جهود تطوير المهارات الناعمة، وتحويل الاستثمار البشري إلى عائد مالي وسلوكي ملموس.
استراتيجيات فعالة لـ "قياس المهارات الناعمة" بوضوح
كان عجزنا السابق عن قياس المهارات الناعمة نابعاً من محاولة قياسها بمعايير المهارات التقنية الجامدة؛ فالاستراتيجيات الفعالة لا تقيس "النية" أو "المعرفة"، بل تقيس التغير السلوكي الملموس وتأثيره في الأداء.
أبرز الاستراتيجيات لقياس المهارات الناعمة هي:
- التقييمات السلوكية القائمة على الكفاءة (CBA): اختبارات تحاكي سيناريوهات العمل لقياس رد الفعل الفعلي.
- تحليل بيانات التواصل الرقمي: استخدام أدوات لتحليل النصوص لقياس المهارات الناعمة المتعلقة بالتواصل.
- محافظ المهارات (Skill Portfolios): توثيق أمثلة على المهارات الناعمة المكتسبة من خلال مشاريع حقيقية.
استخدام "تقييم 360 درجة" (360-Degree Feedback) لرصد التغير السلوكي
إذا كانت المهارة الناعمة تُعرّف بتأثيرها في الآخرين، فيجب أن يكون قياسها جماعياً. لذلك، فإنَّ تقييم 360 درجة هو الأداة الأقوى لرصد التغيرات السلوكية؛ لأنّه يجمع التغذية الراجعة من الزملاء والمرؤوسين والعملاء.
تكمن قوة تقييم 360 درجة في الآتي:
- تغطية شاملة: يرصد تأثير تنمية المهارات الناعمة في مستوى محاور العمل جميعها.
- رصد النماذج السلوكية: يركز على "كيف تصرفت؟" وليس "ماذا تعرف؟".
- بيانات للتطوير: يحدد بدقة مكان وزمان فشل المهارة، مما يوجه برامج تدريب المهارات الناعمة المستقبلية.
ربط تطوير المهارات بمؤشرات أداء الأعمال (KPIs)
لكي نثبت القيمة الحقيقية لأهمية المهارات الناعمة، يجب أن نحولها إلى لغة المال والأداء؛ إذ يجب ربط كل جهد في تطوير المهارات الناعمة بمؤشر أداء مالي أو تشغيلي محدد.
تتم أمثلة على هذا الربط كالآتي:
- مهارة التفاوض: تربط بانخفاض التكلفة المكتسبة للصفقات.
- مهارة القيادة الفعالة: تربط بارتفاع نسبة الاحتفاظ بالموظفين.
- مهارة الذكاء العاطفي: تربط بانخفاض عدد شكاوى العملاء أو النزاعات الداخلية.
دراسة حالة: كيف ربطت شركة "ميتا" (Meta) بين تدريب الذكاء العاطفي وانخفاض شكاوى العملاء
لنأخذ مثالاً ملموساً يوضح إمكانية قياس المهارات الناعمة بفاعلية. قامت شركة "ميتا" (Meta) بتطبيق برامج تدريب المهارات الناعمة التي ركزت على الذكاء العاطفي والتعاطف لموظفي خدمة العملاء.
قبل التدريب، كان متوسط شكاوى العملاء المرتفعة يشكل 10% من إجمالي التفاعلات، ولكن بعد ستة أشهر من تطبيق خطة تنمية المهارات الناعمة التي اعتمدت على:
- الإرشاد المباشر.
- القياس السلوكي.
انخفضت نسبة الشكاوى المرتفعة إلى 4%. يُبرر هذا الانخفاض المباشر، الذي يُعد مؤشراً حيوياً للأعمال، بقوة قيمة تطوير المهارات الناعمة ويخرجها من حيز "التقدير الجيد" إلى حيز "الاستثمار المالي الضروري".
"هل يمكن قياس المهارات الناعمة؟ نعم، يمكن قياسها بفعالية. بدلاً من الاختبارات النظرية، نستخدم "تقييم 360 درجة" لملاحظة التغير في السلوك، ونماذج (مثل "كيركباتريك") لربط التدريب بنتائج الأعمال الملموسة (مثل تحسن الإنتاجية أو رضا العملاء)."

الخلاصة: فكّ شيفرة التفوق البشري
لقد رأينا أنَّ المشكلة الحقيقية ليست في غياب أهمية المهارات الناعمة، بل في الجمود المنهجي الذي يحول دون تطوير المهارات الناعمة بفاعلية وقابلية للقياس. تجاوزنا فخ "التدريب النظري" بتبني منهجيات عملية تركز على صقل السلوك، وشرحنا كيف يمكن لقياس المهارات الناعمة أن يتم عن طريق أدوات دقيقة (مثل تقييمات 360 درجة) وربطها بمؤشرات الأداء. في عصر الذكاء الاصطناعي، يكمن تفوقنا البشري في إتقان ما لا يمكن أتمتته؛ لهذا، يجب أن نطبق هذه الحلول بجدية لنحول فجوة المهارات الناعمة إلى نقطة قوة تنافسية.
والآن، ما هي أكثر مهارة ناعمة أهميةً بالنسبة لك، والتي تخطط لتنمية المهارات الناعمة فيها خلال الأشهر المقبلة؟ شاركنا رأيك في التعليقات.
المحتوى الحرج (FAQs)
1. ما الفرق الجوهري بين المهارات الناعمة والمهارات الصلبة؟
المهارات الصلبة (Hard Skills) هي مهارات تقنية يمكن قياس المهارات الناعمة بسهولة (مثل البرمجة أو المحاسبة). أما المهارات الناعمة (Soft Skills) فهي مهارات سلوكية وشخصية (مثل التواصل، والذكاء العاطفي، وحل المشكلات) تحدد 'كيفية' أدائك للعمل وتفاعلك مع الآخرين، مما يبرز أهمية المهارات الناعمة.
2. هل يمكن حقاً 'تعلم' المهارات الناعمة أم أنها فطرية؟
هذا اعتقاد خاطئ شائع. تنمية المهارات الناعمة ليست فطرية بالكامل، بل هي 'سلوكات' يمكن تطوير المهارات الناعمة وصقلها بالممارسة الواعية، والتوجيه (Coaching)، والتغذية الراجعة المستمرة، تماماً مثل أية مهارة أخرى. لذلك، تهدف برامج تدريب المهارات الناعمة إلى بناء السلوك لا مجرد المعرفة.
3. ما هي أهم مهارة ناعمة في عصر الذكاء الاصطناعي؟
يُعد 'التفكير النقدي' و'الذكاء العاطفي' من أهم أمثلة على المهارات الناعمة. الذكاء الاصطناعي يمكنه معالجة البيانات، لكن الإنسان هو من يطرح الأسئلة الصحيحة (تفكير نقدي) ويدير الفرق ويتعاطف مع العملاء (ذكاء عاطفي).
هذا المقال من إعداد المدرب عادل عبادي، كوتش معتمد من ITOT.





